Retrouvailles

Veuillez installer le lecteur Real Player pour pouvoir lire les fichiers avec extension .rm

Cliquez ici pour télécharger real

الفاجومي عن ناصر والسادات وجاهين وحليم وعرفات والقذافي
أحمد فؤاد نجم ـ كعادته ـ يطلق الرصاص في كافة الاتجاهات: أنا متفائل جداً .. لم يعد لدينا ما نخسره!

الأحد 06 يونيو 2004 05:33

حوار أجراه: نبيل شرف الدين
*هل يحتاج أحمد فؤاد نجم الشهير بالفاجومي، إلى تعريف؟ وهل يتطلب حوار معه إلى مقدمات؟
- بالطبع، الإجابة هي (لا) بحجم تلك الـ (لا) التي أدمنها أبو النجوم منذ نعومة أظافره، لكن  متى كانت أظافره ناعمة بالأساس؟
cheikh imam
المهم، ندخل في صلب الموضوع مباشرة. ونروي كيف كانت أجواء الحوار ومقدماته مع أحد أبرز الشعراء الصعاليك في تاريخ المنطقة العربية، الذي قضى زهرة أيامه مسجوناً أو ملاحقاً من الشرطة، لكن المؤكد أنه أفنى عمره كله ملتحماً بالناس. لصيقاً بالبسطاء، يتنفس قضاياهم، ويعيش لحظات سعادتهم وتعاستهم بكل تفاصيلها، دون ادعاء أو متاجرة.
وفي مستهل هذا الصيف القاهري الذي ينضح عرقاً ولزوجة. تدخل غرفة فقيرة لكنها متسعة على "سطوح" إحدى مساكن الإيواء بهضبة "المقطم"، يجلس كعادته "أبو النجوم" وحوله حشد من الأصدقاء، لا تستطيع أن تميز ملامحه وسط كثافة دخان السجائر "والشيشة" والغناء والسعال.. ولافتة تقودك إلى هذه الغرفة كتب عليها: "مجلس قيادة السطوح".
قلعة دافئة من المشاعر الإنسانية يحتمي بها وتحتمي به، لذا يمكنك أن تعتبر الشاعر أحمد فؤاد نجم حالة فريدة في بساطتها وفجاجتها وتفردها .. لا تتكرر تقريبا بين المبدعين، فعلى الرغم من رهافة حسه وثقافته الرفيعة ، لكنه ظل صورة طبق الأصل من رجل الشارع بكل تناقضاته .. طيبته ومكره .. شراسته وتسامحه .. طلبت منه أن يقدم نفسه فقال:
ـ أنا فلاح مصري، مواطن عربي منهك القوى.. منتهك الأرض والعرض مكبل ومطارد ومضطهد مثل مئات الملايين العرب، وهم كثرة لكن مع "قلة بركة" على رأي أمي، شوف طريقة حكمنا وسكوتنا العجيب. أنا واحد من هذه الجموع التي تشبه "غثاء السيل".

 
* هذا "نجم" المواطن، فماذا عن الشاعر والثائر؟
ـ لا يمكن أن أنفصل عن الواقع.. باختصار أنا حفيد الفلاح الفصيح. فلاح مصرى فاهم كل حاجة ولا أستطيع أن أبلع لساني مثلما قالت أمي وهي دي القصة.. لا أكثر ولا أقل..

 
* ما هي المشاعر التي سيطرت عليك طيلة عمرك؟
ـ أكره الظلم، أخاف أن أظلم. أحب العدل والناس والأرض الخضراء. أكره الصحراء جدا.

 
* لكن أرض العرب كلها صحراء؟
ـ لذلك أكره ما فيها، أكره كونها صحراء غير قابلة للتغير، أنا زرت أغلب بلاد الوطن العربي المغرب، ليبيا، اليمن، سورية، لبنان، تونس، وفي مرة سألت العقيد القذافى: تفتكر ربنا أعطانا وطن لا نستحقه؟ قال حتى الآن نعم. وأنا أعجبت بكلامه. لكن عموما يظل لدي الأمل لأنه لا يمكن المصادرة على المستقبل أو نسحب خيبة جيل على جيل آخر.

 
* هل انتقلت الصحراء من الأرض إلى عقولنا؟
ـ الصحراء داخل القلوب، الإنسان العربي متصحر ولا يمكن الإبداع تحت كل هذه الضغوط وترسانة القوانين المقيدة للحريات فى الوطن العربي وأنظمة الحكم الفاسدة، والعسكر يدهسون كرامتنا كل لحظة، كيف نبدع إذن؟

 
* لكنك أبدعت تحت نفس الظروف وأسوأ منها؟
ـ أنا فاجومي ومجنون. وليس كل الناس مجانين، إنما لو المناخ العام حرية سيكون الجميع مبدعين - كل إنسان موهوب فى إتجاه لكن الخوف والرعب قاتل الناس. هو المخترع مش مبدع.. هل لابد أن يكون المبدع كاتبا أو شاعرا، العامل و "الصنايعى" كلاهما مبدع، لو نظرت إلى مستوى الصنايعية المصريين من 50 عاما وقارنته باليوم ستجد تدهورا شديدا.. لأن أى واحد يشتغل فى أي حاجة لا يوجد حب للعمل، وأنا في وجهة نظري أن الفنان لو متوسط الموهبة ويحب عمله سيكون فنانا عظيما، لا يوجد لدينا تخصص لأن مناخ العرب جميعا سيئ وضد الحرية والإبداع. ونحن فقط نسبح بحمد الحاكم ومجرد مايحدث ذلك سيختفي سحر الفن والإبداع تماما.

 
* بعيدا عن قضاياك العامة، من هؤلاء المحيطين بك والمقيمين بشكل متكرر فى غرفتك الخاصة؟
ـ هؤلاء جيراني وأصحابي من "حوش قدم" قدمنا معا نسكن مساكن الزلزال. لأن "حوش قدم" كان حيا عجوزا وتهدم تماما.. وأنا سعيد بذلك لأن بيتى هناك كان على وشك الانهيار. وبعد الزلزال نقلونى إلى هذه الشقة.. كنت هنام في الشارع.

 
* مادمت ذكرت "حوش قدم" إذن لابد من الكلام عن المرحوم الشيخ "إمام عيسى".. لماذا انفصلتما بعد هذه التجربة الفريدة؟
ـ الإجابة على هذا السؤال صعبة جدا ولا أقدر عليها.

 
* لماذا؟
ـ لأنها تجربة انتهت، إنما يظل الشيخ "إمام" فنانا عظيما خدم أمته وخدم الموسيقى وإنحاز للفقراء حتى موته.. "إمام" أول موسيقي تم حبسه فى المعتقلات من أجل موسيقاه.. وإذا كان الشعر يمكن فهم معناه. فهل اكتشف هؤلاء أن موسيقى إمام تسبهم وتفضحهم.. تجربتي مع إمام هامة جدا والآن هي ملك للناس.

 
* ما رأيك فيما يقال بأنك حصدت الشهرة بفضل الشيخ إمام ولولاه ما كان "نجم"؟
ـ أنا لا أقول إلا أننى وإمام خدمنا الفن الشريف معا وعملنا بداية مرحلة للغناء المختلف، صحيح أنهم الآن يحاصرونها بالتجاهل والصمت. لكني على ثقة أنها ستفرض نفسها وتكون السائدة فى يوم من الأيام. لأن الفن لا يموت.. وهناك بشائر على ذلك.. هناك مجموعات من الشباب والفرق الخاصة تقوم بغناء ماقدمناه أنا و"إمام" وليسو فى القاهرة وحدها.. أنا من يومين كان عندي شباب من فلسطين وقالوا ان هناك فرقا كثيرة تغني للشيخ إمام. اللي عند الناس لا يضيع. ولا تستطيع كل الأنظمة أن تفتش عنه فى القلوب.

 
* لكن هل صادفتك تجارب مشابهة لما فعلته أنت وإمام؟
ـ هناك تجربة جمال بخيت وفاروق الشرنوبى. لكنها لم تنجح، لا يمكن أن يكون هناك وهنا فى نفس الوقت.. هما لعبا على شغل السياسة وفى نفس الوقت سوق الشرائط الكاسيت.. ففشلا.. لكننى والشيخ إمام كنا متفرغين تماما ولم نكن نأخذ مقابل.. صاحب بالين كداب.. إما أن تكون مع الناس أو تكون مع الاعلام هذه معادلة محسومة.

 
* قلت ان التجربة أصبحت ملك الناس. فمن حقهم إذن أن يعرفوا لماذا انتهت بانفصالك عن "إمام عيسى"؟
ـ يعني، سفر باريس لخبط الدنيا.. وأنا كنت عارف وأشعر بذلك، وقلت لإمام بعدم رغبتي فى السفر.

 
* يقال ان الخلاف كان بسبب الأجر المادي؟
ـ لا أستطيع أن أقول ذلك حتى لا أهين صديقي المرحوم الشيخ إمام لكنه وقع ضحية مؤامرة وضحكوا عليه.

 
* من الذي ضحك عليه؟
ـ كثيرون، منهم الأخ ياسر عرفات والمخابرات الجزائرية والمكتب الفرنسي عن طريق مندوب تونسي اسمه الصادق بوزين وتقريبا أقنعوه بالانفصال.

 
* ما الذي حدث تحديدا، ولماذا تهرب من إجابة الواضحة؟
ـ قلت إنني لا أريد أن أسيئ لإمام لكن ماحدث أنه فجأة قال لي كفاية كده وقرر عدم العمل معي مرة أخرى ولا أعلم السبب حتى الآن.. وهو مات وسره معه. لكن عموما هذا من حقه وأى تجربة تنتهي والموظف يخرج على المعاش.

 
* لكن الفنان ليس موظفا ولا يحتاج للخروج على المعاش؟
ـ هذا كان رأيه.

 
* بعد "إمام" هل وجدت من تكمل الطريق معه؟
ـ لم يكن هذا الطريق مطلوبا وقتها.. كان المطلوب الابداع فى طرق ومجالات أخرى.. لذلك كتبت مسرحيات عجايب - شلتوت العظيم - لولي.. وغيرها.. وبدأت فى كتابة مذكراتي فاجومى.. الأول والثاني، يعني نفترض ان الشيخ إمام أو أنا انتقلنا إلى الرفيق الأعلى قبل أن ننفصل كانت التجربة ستنتهي وهذا طبيعي وعلى من يبقى أن يستمر فى طرق أخرى المهم أن نتواصل مع الناس بأي شكل من أشكال الإبداع.

 
* جلساتك الغنائية مع "إمام" كان يحتشد بها المثقفون، أين ذهبوا الآن؟
ـ عقبالك هاجروا "علشان يجيبوا فلوس"، عموما "كويس مش وحش".

 
* هل تلوم عليهم؟ أنت أيضا اقتربت جدا من الرأسمالية الجديدة فى مصر؟
ـ يا ريت لم أكن لأعيش فوق السطوح.

 
* وماذا عن علاقتك بالمليونير نجيب ساويرس واحتفائه الخاصة بك؟
ـ كل ماحدث أن أصدقائى أرادوا أن يحتفلوا بعيد ميلادى الـ 70 وهم عمار الشريعى، وفردوس عبدالحميد ومحمود حميدة وعزة بلبع وحاولنا أن نؤجر مسرح الأوبرا لكنهم رفضوا والدكتور مصطفى ناجى قال لابد من موافقة الأمن لا أعرف لماذا.. بعدها تطوع ساويريوس وقال خدوا السينما بتاعتى.. شكرا طبعا.

 
* وما رأيك في هذه الفئة الجديدة من رجال الأعمال؟
ـ هؤلاء مصريون ويشتغلوا فى البلد "كويس".. أنا زرت مدينة العاشر من رمضان ووجدت انجازات. "يلا نحط" إيد فى إيد و "نزق" البلد إلى الأمام.

 
* كل جماعة الاشتراكية القديمة أصبحوا عمالقة الرأسمالية الجديدة. مارأيك؟
ـ جميل. مش عيب، ياريت يكون فى البلد مليون رأسمالي يفتحوا مليون مصنع ياريت، كل الذي يهمنى أنا أرى 500 طلعت حرب فى البلد.

 
* فى فترة من الفترات كنت داخل المؤسسة الرسمية ، صحيح؟
ـ لا طبعا، عمري ما كنت فى إطار المؤسسة.

 
* لكنك كنت موظف وتعمل مع يوسف السباعي .
ـ لا. منظمة التضامن مش تبع الحكومة المصرية.. لكني عموما كمواطن غصب عني تابع للسلطة وليس باختياري وإنما كفنان عمري ما كنت داخل السلطة ولا تابع لحزب من الأحزاب.

 
ناصر والسادات

 
*ما رأيك في السادات وعبد الناصر؟
ـ عبد الناصر مختلف تماما عن السادات. وناصر كان صاحب حلم وطموح ووطنية. السادات سجننى طوال فترة حكمه. كل ما أخرج من المعتقل أرجع مرة أخرى. السادات لم يكن بطل الحرب ولا السلام. بطلها الحقيقي هو عبدالعاطي صائد الدبابات وزملاؤه الجنود. الأرض لم ترجع بكلام السادات لكن بدماء الشهداء الذين لا يذكرهم أحد.

 
* وماذا عن الآن؟
ـ الآن نحن في مرحلة هلامية غير مفهومة.. عبث.. تماما مثل مسرح العبث اللي طلع فى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية نعيش الآن مرحلة العبث.. كل يوم نسمع عن مسئول يسرق وينهب ولا أحد يحاسبه.. زمان كان المجرم يتم تجريسه أي يركب على حمار بالمقلوب ويتم إعلان فضيحته في الشارع.. الآن نسمع عن السرقة ولا نعرف جزاءها - من يوم ما السادات قال اللي يكسب يكسب بس يدينى حقى والمجتمع فلت.. السمك الكبير يأكل الصغير، وأنا أعرف صديقة فرنسية سألتني: يانجم بلغة العلم والأرقام مافيش دولة عندكم أو عند العرب كلهم، كيف تعيشون. قلت لها: إنتوا عندكم حاجة اسمها بركة دعاء الوالدين.. لم تفهم.. فقلت لها عندنا حاجة اسمها بركة دعاء الوالدين وبها فقط نعيش.

 
* تحب عبد الناصر حتى النخاع. وانتقدت عصره حتى الوجع. سجنت في عصره. وكتبت قصيدة حزينة عند موته. تعلن دائماً كراهيتك للعسكر. وتمجد ناصر. ما هي حكايتك معه؟
ـ آه يا عبد الناصر. تعبني. هو ابن الطبقة المتوسطة وهو ابن الحركة الوطنية التي توهجت في الثلاثينيات. هو أيضا ابن الصعايدة الجدعان الطيبين. هو فيه زيه. ولكن لما أبعدوه عن الناس ولبسوه كرافتات ومشيوا قدامه بالموتوسيكلات. حصل فاصل. كان رقيقا زي ورقة السيجارة. ولكنه تحول مع الزمن زي سور الصين العظيم وبعد كده قتلوه. هو لم يمت موتة عادية أنا عندي معلومات عرفتها في السجن. عارف مين كان في الزنزانة اللي جانبي؟ د. علي العطيفي. وكان مسئول عن العلاج الطبيعي (للريس).

 
* وماذا كانت تهمة الدكتور العطيفي؟
ـ اتسجن في قضية تخابر مع إسرائيل يعني جاسوس واعترف كمان انه جند من معهد العلاج الطبيعي 19 طالب وطالبة في الموساد. وفي أواخر السبعينات أفرج عنه. صحينا الصبح لقيناه اختفي. سألنا الشاويش جمال. الله راح فين المسجون الـ.... قال لي "خرطوه للوز". عقبالك. أي أفرج عنه. وعرفنا بعدها ان ذلك كان أحد مطالب الاسرائيليين. علي فكرة أنا كنت يوما عند القذافي وقلت له: مش عندك أجهزة مخابرات كويسة؟ طيب هات لي الرجل ده.. أنا حاقتله لأنه أكيد هو اللي موت عبدالناصر بالدهان اللي كان بيدلكوا بيه. لأنه لو كان طبيب مخلص لعبدالناصر. يبقي ناصر كان جاسوس، والله حاجة تجنن، هو اتقتل من الخاين ده؟، اكتب على لساني. أحقر شئ في الدنيا الخيانة.

 
* لكن هل أكلت الثورة أولادها؟
ـ هذا فعلا سؤال صعب. لأنها تحولت إلي بيروقراطية فأكلتهم بالإضافة إلي الصراع على السلطة. لقد عزلوا ناصر عن الناس فلم يعرف أشياء كثيرة كان لازم يعرفها.

 
* لكن لماذا لانواجه أنفسنا بأخطائه حتي لا تتكرر؟
ـ ناصر مش هيتكرر مرة أخرى. هو في ذمة التاريخ.

 
* وصفه ناصر النشاشيبي بأنه كان (عظيم المجد والأخطاء). فبم تصفه؟
فاجومي من جنسنا مالوش مرة سابت
فلاح قليل الحيا إذا الكلاب عابت
ولا يطاطيش للعدا مهما السهام صابت
عمل حاجات معجزة وحاجات كتير خابت
وعاش ومات وسطنا على طبعنا ثابت
وإن كان جرح قلبنا كل الجراح طابت
ولا يطولوه العدا مهما الأمور جابت

 
* نأتي على السادات، هل استمد شرعيته من حرب أكتوبر كما قلت ذات يوم؟
ـ نعم ، استمد شرعيته من الحرب التي كان الانتصار فيها كان عسكريا بدماء وتضحيات جنودنا ولم يكن سياسيا.. يقال ان خطط العبور وضعت من أيام عبدالناصر؟ عبدالناصر هو اللي بنى الجيش.. فيه معلومة لا يعرفها سوي العسكريين الكبار.. فبعد 67 لم يبت عبدالناصر في منزله حتى تم بناء الجيش المصري.. كان مع قواته المسلحة.. ولكن لحظه السيئ مات..

 
* تراجع هيكل عن هجومه على كامب ديفيد وقال إن استرداد سيناء كان فعلا أفضل من أن تظل تحت سيطرة إسرائيل كالجولان؟
ـ هيكل عمره ما كان ضد كامب ديفيد.. هو اللي طبخها مع السادات.. هو اللي أيام ما كان أولادنا يقعدوا 15 ساعة يتدربوا يوميا في حرب الاستنزاف.. كان يكتب مقالاته علي أننا ما نقدرش نحارب أمريكا وكان بيهبط في عزيمتنا ..!! هيكل طول عمره مع نفسه أولا.. مش تقولي لي (مصر).. ده بيبيع كلمته.. كلمة كلمة وكل كلمة لها سعر

 
* كيف تفسر سجنك في عهدين متناقضين تماما.. عبدالناصر والسادات؟
ـ فعلا غريبة ، وكيف أمنع من دخول الاتحاد السوفيتي في مهرجان الشباب رغم أن الحكومة تتهمني بأني شيوعي، وأمنع من دخول السعودية وتونس. هي دي (لخابيط) السياسة! أنا ما كنتش ضد عبد الناصر.. أنا كنت ضد الفساد اللي في عصره.. وقلت لو الأمور حاتمشي بالشكل ده. إسرائيل حاتوصل الزقازيق وهو ده اللي حصل، وبالنسبة للسادات أنا مختلف مع شخصيته وتفكيره ومنهجه ومع ذلك تجد نفسك فجأة تعمل مواقف عاطفية كده مش مفهومة زي (اللوغاريتمات) مثلا. مرة كنت في سورية وكنت في عزومة أقامها العماد مصطفي طلاس وكان في الحفلة أحد أرجوزات السلطة شرب له كاسين وقام وقعد يقلد السادات ويتٌريق عليه. ساعتها غلي الدم في عروقي وقلت له (ولد .. أوعي تنطق بكلمة عليه) وثرت جدا.

 
* لماذا دافعت عنه رغم اختلافك معه؟
ـ لأن الإهانة جاءت من خارج مصر.. ما استحملتش، احنا المصريين كدا، نعمل في بعض اللي عايزينه، لكن ييجي واحد غريب يلعب بينا، يفتح الله، لا عربي ولا اميركي ولا هندي.

 
* أعلنت مراراً أنك تراهن علي الشعب دائما وإنه لن يخذلك أبدا؟
ـ دي فترة نوم.. ومهما طالت حنفوق ونصحى

 
* خمسين سنة نوم يا ابو النجوم؟
ـ إيه يعني خمسين سنة من شعب عمره عشر آلاف سنة.. هو احنا أمريكا تاريخنا 200 سنة؟ في تاريخ شعب عجوز زينا.. هي.. إغفاءة .. قيلولة ، بكرة يصحي وكله ساعتها حايجري

 
* اتهم الشعب المصري بالصبر الشديد لدرجة الملل؟
ـ دي فلسفته الخاصة. مش ممكن تقولي علي شعب عجوز قديم حكيم صانع حضارات انه ساذج ، لا.. هو له منهجه الخاص جدا في التعامل مع السلطة والحياة.

 
* اعترفت رغم تحفظك علي سياسات الرئيس السادات أن التعذيب كان أشد بكثير في عهد معتقلات عبدالناصر ، ما تفسيرك؟
ـ في عهد عبدالناصر.. كان الناس مؤمنة بالثورة وأنها مع الغلابة وحقوقهم.. لذلك كان العسكري اللي بيضربنا متصور إننا أعداء للثورة اللي جاءت تريحه.. عارفة كان فيه واحد عسكري اسمه عم (سيف) في عهد عبدالناصر وكان بيعبده.. لأنه استطاع في ظل مجانية التعليم أن يطلع ابن له (ضابط) والآخر (طيار) فلما يقولوا له عذب أعداء الثورة.. يعملها.. لكن لما يقولوا للعسكري بعد وفاة عبدالناصر عذب أعداء الحكومة يعذبهم ليه؟..
علي العموم الكلام ده بيفكرني بمقولة للإمام علي بن أبي طالب "اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت فإن الخير باق فيها.. ولا تطلبوها من بطون جاعت ثم شبعت.. لأن الشح.. باق فيها"

 
مؤذن الثورة

* نبتعد عن السياسة وهمومها، هل لك علاقة مباشرة بالشعراء الجدد؟
ـ طبعا. وأنا حريص على الكلام معهم أسمعهم كثيرا لأنهم فى حالة كبت وقرف.. فالذي يجلس على الكرسي لا يريد أن يتركه حتى فى الشعر.. والشباب لا يجد من يسمعه.. وبعد فترة أطلب منهم أن يسمعوني لأنقل لهم خبرتي. لأننى لن أعطيها أبدا للإعلام الرسمي أو المؤسسة

 
* ما رأيك في شعر العامية الآن؟
ـ صراحة أنا مقصر فى متابعة أعمال هذا الجيل بشكل كاف لكنى واثق أنه سيكون هناك جيل بديل مليء بالمبدعين والشعراء. لأن العامية أهم شعر عند المصريين لأنهم شعب متكلم.. احنا شعب غناء. وإلا حاول أن تتصور مدة 20 عاما تكلفها بناء الهرم هل كانت فى صمت. بالطبع لا الهرم بني بالغناء.. نحن شعب متكلم فصيح.. والعامية المصرية أكبر من أن تكون لهجة وأكبر من أن تكون لغة.. العامية المصرية روح.. وأنا من وجهة نظري أنها أهم انجاز حضاري للشعب المصري.. والشاب يقول لي عن حاجة اسمها الشعر الحر بالعامية أو قصيدة النثر العامية أنا لا أعرفها.. لكن أرفض مهاجمتها.. نهاجمها ليه.. دعونا نترك التجربة ربما تنجح.. ألا يكفي الموانع والقيود التي يعانيها الشباب.. كمان هنكتم نفسهم بالمقولات الباردة يجب ألا ننسى أننا سلمناهم الوطن وهو مهلهل ومدمر تماما.. المفروض أن نخجل من أنفسنا.. ولا نكون أوصياء عليهم.

 
* ثقافتك الحقيقية من الشارع والناس أم الكتب والقراءة؟
ـ طبعا من الناس والشارع والحمد لله تكفيني لكي أرى بوضوح وأعرف عدوي وصديقي وأنا ابن مين وأنتمي لمن وضد من.

 
* وثقافة الكتب؟
ـ طبعا الكتاب غير محرم علي.. وعموما أول كتاب قرأته وحفظته هو القرآن الكريم.. والكتب الأخرى أولها رواية الأم لجوركي ولم أفهمها أول مرة بعدها قرأت تقريبا أغلب كتب المسرح العالمي. وفي الأدب العربى عشقت المتنبى وعم بيرم التونسي و ابن اياس والجبرتى.. وروايات مترجمة كثيرة ديستوفسكى وتشيكوف ومبدعينا الكبار طه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهم.

 
* لم تذكر فؤاد حداد وصلاح جاهين؟
ـ قرأت لهما فى وقت متأخر وكل منهما يحتاج لكلام طويل لا ينتهي. فؤاد حداد أستاذ الأساتذة.. يعني لو أنه هناك أكاديمية لشعر العامية المصرية هيكون حداد عميدها. وفى رأيي أنه لا يقل شاعرية عن عبقرية المتنبي وأبوتمام وغيرهما في الشعر الفصيح، وهو صاحب اختراعات وأشهر كشاف لمعانى الكلمات والتراكيب وشعره عظيم لكنه ليس بسيطا. هو غابة ومتاهة.

 
* حداد قال أنا والد الشعراء .. مارأيك؟
ـ بالطبع كما قلت هو شاعر عظيم وله تلاميذه لكننى لست واحدا منهم. أنا تلميذ الناس وتلميذ أمي ولم أتتلمذ على يد أحد من الشعراء.

 
* وماذا عن جاهين؟
ـ كان أقرب للشارع. أنا أسميه الطفل الإلهى هو مجمع مواهب، وبسيط بساطة الفلاح المصري ومجروح وطفل مثل أي مصري حقيقي.. يكفي أن أذكر له إحدى الرباعيات: أنا قلبي مزيكا بمفاتيح من لمسة يغنيلك تفاريح مع إني مافطرتش وجعان ومعذب ومتيم وجريح

 
* جاهين مات بعد وبسبب الهزيمة، وعلى العكس ظهرت أنت وبدأت إبداعك. لماذا؟.
ـ جاهين سقط مشروعه بالكامل ورهانه، والذي يقول أن جاهين كان يكتب أشعاره العظيمة خوفا أو تملقا لعبدالناصر هو غبي، فهذا الكلام العاشق لا يخرج إلا بحب وإيمان وجاهين كان مؤمن بما يقول. جاهين صدق الحلم وحين حلت الهزيمة انهزم جاهين وانكسر قلبه.

 
* سبق أن اتهمت صلاح جاهين بأنه شاعر السلطة
ـ هو فعلا شاعر السلطة وده كان عيبه الوحيد .. أنا في رأيي إن صلاح جاهين صنع بأشعاره مجد عبد الناصر

 
* لكنه كان مؤمنا بها وليس لمجرد التقرب من السلطة؟
ـ مش دي القضية عندي.. القضية إن جاهين كان صوت إعلامي للحكومة، صوت ذهبي وصله للشارع ببساطة وسهولة لأنه شاعر عبقري.. خسارة ، السياسة قتلته خاصة بعد صدمة 67 ، لأنه كان يبشر بعهد الثورة الجميل.. أنا كنت أطلق عليه لقب (بلال مؤذن الثورة) .

 
* وهل تعتبر الأبنودي إمتدادا له؟
ـ لا، الابنودى طريقه مختلف تماما، ده راجل كويس جدا ، وعارف طريقه بالضبط من يوم ماجاء القاهرة وترك قريته بالصعيد.

 
* أي طريق تقصد؟
ـ طريق السلطة طبعا.

 
* كنت تقصده في أغنية "شاعر أُكره"؟
ـ أظن واضحة زي الشمس

 
إسرائيل تغني

 

* ماهي الأصوات الغنائية التي تشجيك؟
ـ فيروز وأم كلثوم وعبدالوهاب وفايزة أحمد ومحمد عبد المطلب ونجاة وغيرهم، وفي تلاوة القرآن الكريم الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبد الباسط عبد الصمد.

 
* وبمناسبة الغناء، أنت عشت طفولتك فى الزقازيق وقابلت عبدالحليم فى الملجأ. لماذا لم يغن لك عندما أصبح مشهورا؟
ـ الظروف لم تسمح. وعندما كنت أكتب الاغاني كنت أتمنى أن يغني لي عبدالحليم لكنه تباطأ. ولما أصبحت شاعرا سياسيا رفضت أن يغني لي لأنه أصبح جزءا من المؤسسة أصبح فنان سلطة مثل أم كلثوم وعبدالوهاب.. استطاعت السلطة أن تقربهم لها وأصبحوا هم أنفسهم سلطة، تحول دون الأصوات الأخرى ليس فى مصر وحدها بل في العالم العربي كله
يقال.. إن الشعب قادر علي التمييز بين الفن الرديء والجيد.. ولكن ليس هذا ما يحدث الآن؟ الفن الرديء سائد لأن الأجهزة عايزة كده ، مش الجمهور عايز كده .. ولو ان الموضوع صدفة ماكنتش لقيت واحد بيعرف يسمع ويقيم الفن .

 
* إذن هو شأن سياسي؟
ـ مفيش عمل فني مش سياسة.. هي أم كلثوم لما تغني ويسمعها الوطن العربي ويتوحد معها.. مش سياسة؟ .. طبعا لأنه توحيد للوجدان .
تعرف ميزانية مراقبة الموسيقي والغناء في الإذاعة الاسرائيلية تساوي ميزانية التليفزيون المصري كله ومع ذلك مش عارفة تعمل أغنية واحدة (تعلق) في الشارع العربي .

 
* لو طلب اليوم مطرب أشعارك التي وصفتها بأنها (ليست للتطريب ولكن للتمريض)هل توافق؟
ـ ما فيش مطرب (يغني أغاني تودي في داهية) ولا عنده استعداد حتى الكلام الجاد. الكلام الـ.... يكسب فلوس ونسوان وشهرة، أنا ما اعرفش مطربين اليوم من بعض. نفس المزيكا والكلام والشكل والتنطيط.

 
الحشيش

* وإذا تكلمنا عن حياتك الشخصية، معروف أنك مزواج
ـ ليس على ذمتي الآن سوى واحدة، هي زوجتي الخامسة"يهمس لي قائلاً: علمتني الأدب"، والسابقات منهن صافيناز كاظم وعزة بلبع وسونيا مكويو الجزائرية وكل منهن تجربة استفدت منها. وأنا لا أعرف شيئا أسمه الندم. يكفي أنني اكتسبت خبرات جديدة.

 
* ما رأيك في شائعة أنك لا تكتب إلا تحت تأثير مخدر الحشيش؟
ـ هذه ليست شائعة. لكن الحشيش ليس شرطاً للكتابة. فمثلا كتبت أفضل قصائدي فى المعتقلات ولم أكن في حالة "كيف"، لكنه بالطبع ليس شرطا للكتابة. شرط الكتابة الوحيد أن أكون على قيد الحياة.

 
* في الستينات ألهبت مع الشيخ إمام وجدان الشعب المصري بأغانيك السياسية ، اليوم ما يشعل الشباب هو الحب والآهات والرقص البلدي وعمرو دياب ونانسي عجرم. ماذا حدث؟
ـ شباب الستينات كان حالم وعنده أمل وإحساس انه قوي يقدر يهز الدنيا. النهارده مات الأمل. عاش أحمد فؤاد نجم في قاع المجتمع. عبر عن الفقر والفقراء ذاب فيهم وعاش لهم حتى أنه قال: لو غيرت محل إقامتي لتغيرت مفرداتي الشعرية.

 
* إذن ماذا عن الطبقة الوسطي.
ـ لم يكن لها وجود في حياتي أبداً. ربما لأن المرحلة اللي فاتت من شعري كان شعر مقاتل. يعني قتال دفاع عن الطبقة الدنيا اللي محتاجة لهذا الدفاع لأنها مفرومة ومسحوقة تماما.

 
* أبو النجوم .. هل أنت متفائل؟
ـ عمري ما كنت متفائل كما أنا اليوم .. لم يعد لدينا ما نخسره.. أي تحريك للأمور في صالحنا
 

 

< رجوع